متعافون من كورونا يروون قصة معركتهم مع الوباء

"هناك حياة قبل كورونا وحياة بعد كورونا"، عبارة أجمع عليها العائدون من مواجهة الوباء الذي قلب العالم رأسا على عقب.. فيروس لا يُرى بالعين المجردة، أدخلهم "زنزانة المحكوم عليهم بالإعدام" وأخرجتهم منها مشيئة الله.. "الخبر" استوقفت هؤلاء وقاسمتهم تفاصيل الخروج سالمين من "معركة الحياة والموت"، وتجربة التعب والحمى والألم ووجع الإشاعة التي استهدفتهم أيضا، وكيف عادوا إلى حياتهم الطبيعية وشعارهم "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

من البليدة التي بدأت منها حكاية الوباء ونُسجت عمن عصف بأجسادهم الوباء ألف حكاية وحكاية وصلت إلى حد قتلهم وهم أحياء، تروي السيدة زهور من حي شعبي في مدينة الورود، أنها خبرت المرض من قبل وتعايشت مع الألم، وكادت تفقد حياتها مرة، لكن قوة معنوياتها ساعدتها على تجاوز المرض والوقوف على قدميها من جديد، حتى بعد تشخيص إصابتها بفيروس كورونا.. لكن كلام الناس والإشاعات ما كاد يودي بحياتها حقا.

 

أنفلونزا عابرة!

 

تعود السيدة زهور في حديثها مع "الخبر" إلى بداية إصابتها بالفيروس، بعد شعورها بإرهاق وتعب وحمى قائلة: "كانت أعراضا مشابهة للأنفلونزا الموسمية، دفعتني إلى زيارة عيادة الطبيب حتى يطمئن قلبي، ولم يخب ظني، فالطبيب لم يشر إلى أن الأمر مخيف وكتب لي علاجا للأعراض، وأوصاني بالعودة إن تعقد وضعي الصحي".

مضت أيام على زيارة الطبيب، ولم يظهر مفعول الأدوية، فالحمى ظلت تعصر جسدها، مع شعور بضيق في التنفس لحد الاختناق، لتعود إلى طبيبها مجددا، وأجريت لها تحاليل للتأكد من احتمال إصابتها بفيروس كوفيد 19، وكانت النتيجة الصادمة "لست مصابة بالزكام.. إنه فيروس كورونا"، لتبدأ رحلة العلاج في الحجر بالمستشفى.

تقول السيدة زهور وهي تستذكر ليلة دخولها إلى المستشفى: "تقبلت الأمر ودعوت الله، أما عائلتي فقد تقبلت الأمر واستعدت لمواجهة الأمر، بالمقابل انتشر خبر إصابتي بين الأقارب والجيران وهواة نقل ونشر الأخبار عبر فايسبوك، الجميع تناقل خبر إصابتي وزايدوا عليه بأني لن أسلم منه لأني عجوز سبعينية، وأعاني الضغط الدموي".

وتضيف محدثتي متألمة: "هل تصدق أنه وصل بهم الأمر إلى اختلاق كذبة وفاتي وتم مشاركة منشورات على فايسبوك، مع دعوات لطلب الرحمة لروحي.. لم يهزمني المرض، لكن هذه الإشاعة أفقدتني صلابتي وجعلتني أحمل هم ابني البعيد الذي لم أستطع التواصل معه، وعلم من عبر منشورات الكترونية أني توفيت".

وبالفعل، صدّق ابن السيدة زهور الإشاعة رغم أن شقيقه حاول مرات ومرات إقناعه بأن الخبر كاذب، لكن بلا فائدة، خاصة وأنه لم يتمكن من الحديث إليها: "بعد أن كادت هذه الإشاعة تدمرني، تماسكت من جديد وأمضيت الأيام الأربعة عشر أعدها بالدقيقة، والحمد لله غادرت المستشفى بعد ظهور النتائج النهائية، وتواصلت مع ابني".

 

عدت من الموت

 

لم يصدق الطبيب العام أحمد من العاصمة، هكذا فضل أن نسميه، إصابته بالفيروس إلا بعد إخضاعه للكشف بجهاز السكانير ثم التحاليل المخبرية من معهد باستور: "اعتقدت أنه زكام بسيط أو مجرد تعب عابر، واستبعدت تماما إصابتي بالفيروس، رغم تعاملي واحتكاكي اليومي مع المرضى في عيادتي وأخذي لكل الاحتياطات، أثناء فحصي للحالات منذ الإعلان عن أول حالة إصابة في الجزائر، وهي حالة الرعية الإيطالي.. لكنها مشيئة الخالق".

وبدأت أعراض المرض تظهر على الدكتور أحمد بتعب ووهن كبير في الجسم، دون أن يعاني الحمى: "كنت أشعر أن أحدا يقوم بدك عظام جسدي بعصا.. ورغم أنني أبعدت احتمال إصابتي بالوباء، إلا أنني عزلت نفسي في غرفتي وأغلقت عيادتي لثلاثة أيام، لكن بعد ظهور أعراض أكثر شدة حيث كنت أشعر بأن رئتي يتم اقتلاعهما من مكانهما، هنا استنجدت بزميل في أحد مستشفيات العاصمة وذهبت إليه من أجل الكشف عن حالتي".

وقبل إخضاعه للتحاليل، ومن أجل السرعة في التشخيص، أجريت له أشعة السكانير التي كشفت إصابته بكوفيد 19.

يواصل المتحدث "بعد تأكد إصابتي، خضعت للعلاج المكثف في المستشفى، حيث كنت أعاني صعوبة في التنفس، وكنت من أوائل من تم علاجهم بالكلوروكين، بينما تم فرض الحجر المنزل على زوجتي وأبنائي".

ويؤكد محدثي، رغم أنه من السلك الطبي وشاهد حالات معقدة في سنوات عمله الخمس والثلاثين إلا أنه خبر لأول مرة تجربة الاقتراب من الموت وعانى أيضا تبعات الإشاعة التي لم ينكر أنها فعلت فعلتها بعائلته، خاصة ابنه المتواجد في فرنسا للدراسة: "البعض كان يدعي أنني كنت أعالج المرضى وأنا مصاب وأنني نقلت العدوى لمرضاي، وبأني تجاوزت الخامسة والستين ولن أنجو.. وهطلت المكالمات الهاتفية على زوجتي، فأثرت على معنوياتها أكثر من أن ترفعها، حتى أن هناك من أخبر ابني في فرنسا بأني دخلت الإنعاش".

وبعد أن مضت العشرة أيام الأصعب في حياته، مثلما يقول محدثنا، وعاد إلى بيته الذي لا يزال معزولا في إحدى غرفه لفترة أخرى، رغم ظهور نتائج التحاليل سلبية احتياطا، قال الدكتور أحمد إن الفيروس أعاد ترتيب أولوياته، موضحا: "إذا تأكد شفائي التام، أنا مستعد للتطوع في الصحة العمومية لمساعدة في مواجهة الوباء، لأنه نداء الواجب ووفاء بالقسم الطبي، وبعدها ستكون عائلتي أولويتي".

 

كانت أياما عسيرة

 

ظروف مشابهة عاشها محمد كلاليش، النائب بالمجلس الشعبي الوطني، الذي امتثل للشفاء بعد رحلة علاج مرهقة قضاها بمصلحة الأمراض المعدية بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد نذير بتيزي وزو: "كانت أياما عسيرة، كنت أكثر فيها الصلاة والدعاء لي ولكل المرضى".

وعن رحلة مرضه واكتشاف إصابته بالفيروس القاتل، قال محمد كلاليش، النائب بالمجلس الشعبي الوطني منتخبا عن حزب الأفافاس، إنه تنقل إلى المستشفى بعد معاناته من نوبة سعال "بعد الكشف علي، قيل لي إنه زكام موسمي، ورغم ذلك أجريت لي تحاليل للكشف عن احتمال إصابتي بالفيروس، فرجعت إلى المنزل والتزمت الحجر الصحي من خلال بقائي بغرفتي لمدة 5 أيام، حرمت خلالها نفسي من الجلوس مع أفراد عائلتي وأبنائي لتفادي أي طارئ، في انتظار نتائج التحاليل من معهد باستور، كنت حذرا جدا لتفادي أن أكون سببا في انتشار المرض وسطهم".

وبعد حوالي 5 أيام من الانتظار والقلق، تلقى محمد كلاليش اتصالا هاتفيا من قبل مسئولي المركز الاستشفائي الجامعي محمد ندير بتيزي وزو، حيث تم إشعاره بأن نتائج التحاليل تؤكد أنه مصاب الوباء، يواصل محدثي: "لا أنكر أن الخبر نزل علي وعلى عائلتي كالصاعقة، وقلت في نفسي ماذا عساي فعله، إلا أني ترك الأمر لله ولحسن حظي أن نافذتي في غرفتي المعزولة في المستشفى تطل على الفناء، كانت نقطة التواصل الوحيدة مع العالم الخارجي، حيث أنه يمنع على المرضى مغادرة الغرفة بأي حجة كانت إلا بإذن الطاقم الطبي الساهر على صحتنا".

 

قاومت الوباء بالدعاء والصلاة

 

وعاد المتحدث إلى حالة القلق التي انتابته منذ إشعاره بنتائج التحاليل من معهد باستور بالجزائر العاصمة، قائلا "كنت قلقا جدا على نفسي وعلى أفراد عائلتي، إلى أن تبين بأن نتائج التحاليل التي أجريت على زوجتي التي وضعت تحت الحجر الصحي بالمصلحة نفسها كانت سلبية".

وواصل محمد كلاليش: "كنت أواجه القلق النفسي بكثرة الدعاء لي ولكل المرضى من أجل تجاوز هذه المحنة، وبعد مضي بضعة أيام جاءت نتائج التحاليل لعينات أرسلت من قبل المشرفين على مصلحة الأمراض المعدية سلبية، فعاد لي الأمل في الحياة مجددا، وشكرت الخالق على هذه النعمة".

 

اقرأ من المصدر