وطني

"لا يمكن تغيير واقع الإعلام دون ترسانة قانونية جديدة"

يرى عبد العزيز رحابي، أنه يجب تسريع المسار الذي يفضي لاعتبار الإعلام سلطة حقيقية في الجزائر، تساهم في توازن السلطات ولا تخضع سوى لسلطان القانون. ويدعو رحابي في هذا الحوار مع "الخبر" إلى إعادة النظر في القوانين الحالية، من أجل بناء منظومة إعلامية قوية ترقى لتطلعات الجزائريين.

تقول السلطة إن حرية التعبير في الجزائر مضمونة بينما تقبع الجزائر في مراتب متدنية في تصنيفات حرية الصحافة عالميا. كيف تنظر لهذه المفارقة؟

لا يهمني التصنيف الخارجي الذي قد لا يكون موضوعيا ولا تقييم السلطة الذي ينطلق من أساس سياسي. المواطنون في اعتقادي هم الأكفأ لتقييم صحافتهم اليوم من خلال مقارنتها بالماضي أو مع ما يتابعونه في صحافة دول أخرى، ومعرفة ما إذا كانت تنقل انشغالاتهم وترفع مطالبهم وتمكن الضعفاء من إسماع صوتهم. السؤال الجوهري في اعتقادي، بعيدا عن جدلية التقييم، هو لدينا منظومة إعلامية وطنية ترقى إلى مستوى طموحات البلاد. جوابي هو لا للأسف.

لماذا في رأيك لم نصل لبناء هذه المنظومة الإعلامية التي تتحدث عنها؟

الإعلام في الواقع هو إرادة سياسية قوية، تجعل منظومة الحكم تتعامل معه كسلطة حقيقية. الجزائر بلد تعوّد على السلطات التقليدية التي كوّنت تاريخه. وعندما فرضت الصحافة نفسها كقوة في الساحة، حدث وكأن هذه السلطة الجديدة حاولت إقحام نفسها في منافسة سلطات تقليدية، وهي لم تستقر بعد في مكانها الطبيعي. الإرادة السياسية وحدها، هي التي تجعل الصحافة جزءا من تنظيم السلطات الأساسية في البلاد، بحيث تكون مستقلة بذاتها بعيدا عن سلطتي السياسة والمال، وهذا لا يتحقق إلا بإيجاد قوانين ضابطة ومنظمة للعمل الصحفي وحرياته.

كيف يمكن الوصول إلى بناء سلطة للصحافة كما تقول بدل اعتبارها مجرد وظيفة؟

هذا المفهوم وصلت له دول غربية في القرن 19. نحن إذا أردنا أن نجعل من الصحافة سلطة مضادة تخلق التوازن وتعطي الكلمة للضعفاء، فهذا مسار كامل يجب علينا السير فيه. إذا أردنا أن نسرع من هذا المسار، فعلينا وضع الصحافة تحت وصاية القانون ومكرسة لخدمة المصلحة العليا للبلاد.  أنا مؤمن بأن الصحافة مبدئيا، يجب أن تكون في خدمة مصالح البلاد بعيدا عن الخلافات الأيديولوجية.

لكن فكرة خدمة مصلحة البلاد، قد تكون مطاطة، لأنه لا يوجد تعريف صريح لهذه المصلحة وكيفية تقديرها وهذا ما يفتح الباب لإيجاد ذرائع من أجل التضييق على الصحافة. ما رأيك؟

إذا أرادت الصحافة أن تكون سلطة، فعليها أن تلتزم ببعض الضوابط، لأن ما يقابل الحرية هي المسؤولية دائما. بالمقابل، لا بد من ضمان هامش حرية للصحافة، والكف عن الممارسات الماضية كاستعمال الإشهار والمطابع وكل أشكال الضغط على العمل الصحفي.  هذا هو الإشكال الذي يطرح اليوم ولن يكون حلّه بالتأكيد في ظرف شهر أو شهرين. عند الوصول إلى الحالة الطبيعية التي تتكون ببناء منظومة لا يضبطها سوى القانون، سيكون من مسؤولية الصحفي أن يمارس عمله في إطار صحيح، لأن ثمة فرقا بين ممارسة الصحافة والنضال السياسي، فالصحفي يعطي الكلمة للسلطة كما للمعارضة والخبير الموضوعي ويترك المواطنين يكونون آراءهم بأنفسهم.

لكن ما نراه اليوم في الإعلام الحكومي وجزء كبير من الخاص، هو عدم الانفتاح على أصحاب الآراء المعارضة خشية التعرض لمتاعب مباشرة أو غير مباشرة.. ما هو المطلوب لإعادة الصحفي لدوره؟

ظل الإعلام وقتا طويلا يسير بالتوجيهات. واليوم، هناك فرصة تاريخية، خاصة بالنسبة للإعلام المؤسساتي، من أجل اكتساب مصداقية، عبر تحري الموضوعية والانفتاح على المعارضة والتوقف عن اعتبار نفسه بوقا للسلطة. لذلك، أنا أؤكد على ضرورة بناء منظومة خاضعة لوصاية القانون تقطع نهائيا مع هذه الممارسات. لو ننظر مثلا إلى تجربة الصحافة المكتوبة في الجزائر، نجد أنها اكتسبت مصداقية بحيث نجحت في إنهاء تبعية الرأي العام الوطني للخارج. عكس ذلك، مازال التلفزيون ينتظره عمل كبير. وما تحقق للصحفيين كان بفضل نضالهم ولم يكن للحكومات دور فيه. ما أريد قوله، أن من مصلحة الجميع بما في ذلك السلطة، أن يكون الإعلام في الجزائر قويا، لأنها مسألة سيادة وطنية.

تتحدث عن إيجاد الإطار القانوني المناسب .. ما هو المطلوب في رأيك؟

في اعتقادي، لن يتغير وضع الإعلام في الجزائر، بدون إيجاد ترسانة قانونية تضبط العلاقة مع السلطة والمجتمع. ذلك أن بناء المنظومة التي أتحدث عنها، يتطلب عدم ترك أي فراغ قانوني، فإلى اليوم لا يوجد في الجزائر قانون يضبط الإشهار أو سبر الآراء أو التمويل أو فتح مكاتب مراسلين أجانب. الصحفي في هذا الجو لا يشعر بأنه محمي. أتذكر لما عينت وزيرا للإعلام في عهد الرئيس زروال، وجدت أن الإدارة وجماعات النفوذ هي من تسير الصحافة. وكان أول ما بادرت به بعض تشخيص الواقع، وضع قانونين للإشهار وآخر لسبر الآراء، ولم أجد في صفي إلا الرئيس زروال ورئيس الحكومة حمداني. وفعلا مرّ قانون الإشهار الذي يلغي احتكار مؤسسة "أناب" للإشهار على البرلمان في فبراير 1999، لكن لما جاء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكومة قام بتجميده في سبتمبر من نفس السنة. واليوم، كما تعلمون، لا يوجد دور لـ"أناب" سوى توزيع الريع، وهو ما أراه إشكالا كبيرا لأني ضد فكرة أن توزع السلطة الإشهار، لأن السلطة إذا أدخلت نفسها في الأمور غير الاستراتيجية تفقد دورها الحقيقي.

اقرأ من المصدر